منتديات كنوز
بسم البادي الرحمان الرحيم.هدا المنتدى يتضمن مواضيع عديدة في مختلف المجالات لتلبية حاجيات القارئ كل ما يخص حواء و ادم , الاسرة , مواضيع دينية , اشعار, فن و الادب .عالم الطفل,قصص و روايات.. لذا فنرجو منك اخي الزائر التفضل بالتسجيل فاراؤك و مساهماتك تهمنا

باب الجرذ والسِّنَّور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

باب الجرذ والسِّنَّور

مُساهمة  leila.mer في الثلاثاء مارس 31, 2009 1:53 pm

قالَ دَبشَليمُ الملِكُ لبَيْدَبا الفَيلَسوفِ: قد سَمِعتُ هذا المَثَلَ، فاضرِبْ لي مَثَلَ رجلٍ كَثُرَ أعداؤُهُ وأحدَقوا به من كلِّ جانِبٍ، فأشرَفَ معهم علي الهلاكِ، فالتَمَسَ النَّجاةَ والمَخرَجَ بمُوالاةِ بعضِ أعدائِهِ ومُصالَحَتِهِ فسَلِمَ مِنَ الخَوفِ وأمِنَ. ثم وفي لمَن صالَحَهُ منهم. وأخبِرني عن مَوضِعِ الصُّلحِ وكيفَ يَنبَغي أن يكونَ.

قالَ الفَيلَسوفُ: إنَّ المَوَدَّةَ والعَداوَةَ لا تَثْبُتانِ علي حالَةٍ أبدًا. وربما حالَتِ المَوَدَّةُ إلي العَداوَةِ وصارَتِ العَداوَةُ وِلايَةً وصَداقَةً. ولهذا حوادِثُ وعِلَلٌ وتَجارِبُ. وذو الرأيِ يُحدِثُ لكلِّ ما يَحدُثُ من ذلك رأيًا جَديدًا. أمَّا من قِبَلِ العَدُوِّ فبالبأسِ وأمَّا من قِبَلِ الصَّديقِ فبالاستِئناسِ. ولا تَمنَعُ ذا العَقلِ عَداوَةٌ كانت في نفسِهِ لعَدُوِّهِ من مُقارَبَتِهِ والاستِنجادِ به علي دَفعِ مَرهوبٍ أو جَرِّ مَرغوبٍ. ومَن عَمِلَ في ذلك بالحَزمِ ظَفِرَ بحاجَتِهِ. ومَثَلُ ذلك مَثَلُ الجُرَذِ والسِّنَّورِ حين وَقَعا في الورطةِ فَنَجوا باصطِلاحِهِما جميعًا مِنَ الورطةِ والشِّدَّةِ. قالَ الملِكُ: وكيفَ كانَ ذلكَ?

قالَ بَيْدَبا: زَعَموا أنَّ شجرَةً عَظيمَةً كانَ في أصلِها جُحْرُ سِنَّورٍ يُقالُ له رومِيٌّ. وكانَ قريبًا منه جُحْرُ جُرذٍ يُقالُ له فَريدونُ. وكانَ الصَّيَّادونَ كثيرًا ما يَتَداوَلونَ ذلك المكانَ يَصيدونَ فيه الوَحشَ والطَّيرَ. فأتي ذاتَ يومٍ صَيَّادٌ فَنَصَبَ حِبالَتَهُ قريبًا من مَوضِعِ رومِيٍّ فلم يَلبَثْ أن وَقَعَ فيها. فخَرَجَ الجُرَذُ يَدِبٌّ ويَطلُبُ ما يأكُلُ وهو حَذِرٌ من روميٍّ. فبينما هو يَسعي إذ بَصُرَ به في الشَّركِ فسُرَّ واستَبشَرَ. ثم التَفَتَ فرأي خَلفَهُ ابنَ عِرسٍ يُريدُ أخذَهُ وفي الشَّجَرَةِ بومًا يُريدُ اختِطافَهُ. فتَحَيَّرَ في أمرِهِ وخافَ; إن رَجَعَ وَراءَهُ أخذَهُ ابنُ عِرسٍ، وإن ذَهَبَ يَمينًا أو شِمالاً اختَطَفَهُ البومُ، وإن تَقَدَّمَ أمامَهُ افتَرَسَهُ السِّنَّورُ.

فقالَ في نفسِهِ: هذا بَلاءٌ قدِ اكتَنَفَني وشُرورٌ تَظاهَرَتْ عليَّ، ومِحَنٌ قد أحاطَتْ بي. وبعد ذلك فمَعي عَقلي فلا يُفزِعُني أمري ولا يَهولُني شأني ولا يَلحَقُني الدَّهَشُ ولا يَذهَبُ قلبي شَعاعًا . فالعاقِلُ لا يَفَرقُ عند سَدادِ رأيِهِ ولا يَعزُبُ عنه ذِهنُهُ علي حالٍ. وإنَّما العَقلُ شَبيهٌ بالبحرِ الذي لا يُدرَكُ غَورُهُ، ولا يَبلُغُ البَلاءُ من ذي الرأيِ مَجهودَهُ فيُهلِكَهُ. وتَحَقُّقُ الرَّجاءِ لا يَنبَغي أن يَبلُغَ منه مَبلَغًا يُبطِرُهُ ويُسكِرُهُ فيَعمَي عليه أمرُهُ. ولستُ أري لي من هذا البَلاءِ مَخلَصًا إلاَّ مُصالَحَةَ السِّنَّورِ، فإنَّه قد نَزَلَ به مِنَ البَلاءِ مثلُ ما قد نَزَلَ بي أو بَعضُهُ. ولعلَّنا إن سَمِعَ كلامي الذي أُكَلِّمُهُ به ووَعي عنّي صحيحَ خِطابي ومَحضَ صِدقي الذي لا خِلافَ فيه ولا خِداعَ معه ففَهِمَهُ وطَمِعَ في مَعونَتي إيَّاهُ نَخلُصُ جميعًا.

ثم إنَّ الجُرَذَ دَنا مِنَ السِّنَّورِ فقالَ له: كيفَ حالُكَ? قالَ له السِّنَّورُ: كما تُحِبُّ في ضَنكٍ وضيقٍ. قالَ: وأنا اليومَ شريكُكَ في البَلاءِ. ولستُ أرجو لنفسي خَلاصًا إلاَّ بالذي أرجو لكَ فيه الخَلاصَ. وكلامي هذا ليسَ فيه كَذِبٌ ولا خَديعَةٌ. وابنُ عِرسٍ ها هو كامِنٌ لي، والبومُ يَرصُدُني، وكِلاهُما لي ولك عَدُوٌّ. وإني وإيَّاكَ وإن كنَّا مُختَلِفَي الطِّباعِ لكنَّنا مُتَّفِقا الحالَةِ. والذينَ حالَتُهُمْ واحدَةٌ وطِباعُهُمْ مُختَلِفَةٌ تَجمعُهُمْ الحالَةُ وإن فَرَّقَتهُمُ الطِّباعُ. فإن أنتَ جَعَلتَ ليَ الأمانَ قَطَّعتُ حَبائِلَكَ وخَلَّصتُكَ من هذه الورطَةِ. فإن كانَ ذلكَ تَخَلَّصَ كلُّ واحدٍ منَّا بسَببِ صاحِبِهِ، كالسَّفينَةِ والرُّكَّابِ في البحرِ فبالسَّفينَةِ يَنجونَ وبهم تَنجو السَّفينَةُ.

فلمَّا سَمِعَ السِّنَّورُ كلامَ الجُرَذِ وعَرَفَ أنَّه صادِقٌ قالَ له: إنَّ قَولَكَ هذا لشبيهٌ بالحَقِّ، وأنا أيضًا راغِبٌ فيما أرجو لك ولنفسي به الخَلاصَ. ثم إني إن فَعَلتَ ذلك سأشكُرُكَ ما بَقيتُ.

قالَ الجُرَذُ: فإني سأدنو منكَ فأقطَعُ الحَبائِلَ كلَّها إلاَّ حَبلاً واحدًا أُبقيهِ لأستَوثِقَ لنفسي منكَ. وأخَذَ في تَقريضِ حَبائِلِهِ. ثم إنَّ البومَ وابنَ عِرسٍ لمَّا رأيا دُنُوَّ الجُرَذِ مِنَ السِّنَّورِ أيِسا منه وانصَرَفا.

ثم إنَّ الجُرَذَ أبطَأَ علي رومِيٍّ في قَطعِ الحَبائِلِ فقالَ له: ما لي لا أراك جادًّا في قَطعِ حَبائِلي? فإن كنتَ قد ظَفِرتَ بحاجَتِكَ فتَغَيَّرتَ عمَّا كنتَ عليه وتَوانَيتَ في حاجَتي فما ذلك من فِعْلِ الصَّالِحينَ. فإنَّ الكريمَ لا يَتَواني في حَقِّ صاحِبِهِ، وقد كانَ لك في سابِقِ مَوَدَّتي مِنَ الفائِدَةِ والنَّفعِ ما قد رأيتَ. وأنتَ حَقيقٌ أن تُكافِئني بذلك ولا تَذكُرَ العَداوَةَ التي بيني وبينكَ. فالذي بيني وبينكَ مِنَ الصُّلحِ حَقيقٌ أن يُنسِيَكَ ذلك معَ ما في الوَفاءِ مِنَ الفَضلِ والأجرِ وما في الغَدرِ من سوء العاقِبَةِ. فإنَّ الكريمَ لا يكونُ إلاَّ شَكورًا غيرَ حَقودٍ تُنسيهِ الخَلَّةُ الواحِدَةُ مِنَ الإحسانِ الخِلالَ الكَثيرَةَ مِنَ الإساءَةِ. وقد يُقالُ: إنَّ أعجَلَ العُقوبَةِ عُقوبَةُ الغَدرِ. ومَن إذا تُضُرِّعَ إليه وسُئِلَ العَفوَ فلم يَرحَمْ ولم يَعفُ فقد غدَرَ.

قالَ الجُرَذُ: إنَّ الصَّديقَ صديقانِ، طائعٌ ومُضطَرٌّ، وكِلاهُما يَلتَمِسانِ المَنفَعَةَ ويَحترِسانِ مِنَ المَضَرَّةِ. فأمَّا الطَّائِعُ فيُستَرسَلُ إليه ويُؤْمَنُ في جميعِ الأحوالِ. وأمَّا المُضطَرُّ ففي بعضِ الأحوالِ يُستَرسَلُ إليه وفي بعضها يُتَحَذَّرُ منه. ولا يَزالُ العاقلُ يَرتَهِنُ منه بعضَ حاجاتِهِ لبعضِ ما يَتَّقي ويَخافُ. وليسَ غايَةُ التَّواصُلِ من كلٍّ مِنَ المُتَواصِلَينِ إلاَّ طَلَبَ عاجِلِ النَّفعِ وبُلوغَ مأمولِهِ. وأنا وافٍ لك بما وَعَدتُّكَ ومُحتَرِسٌ منكَ معَ ذلكَ من حيثُ أخافُكَ تَخَوُّفَ أن يُصيبَني منكَ ما ألجَأَني خَوفُهُ إلي مُصالحَتِكَ وألجأكَ إلي قُبولِ ذلك منّي. فإنَّ لكلِّ عَمَلٍ حينًا. فما لم يَكُن منه في حينِهِ فلا حُسنَ لعاقِبَتِهِ. وأنا قاطعٌ حبائِلَكَ كلَّها، غيرَ أني تارِكٌ عُقدَةً أرتَهِنُكَ بها ولا أقطَعُها إلاَّ في السَّاعَةِ التي أعلَمُ أنَّكَ فيها عنّي مَشغولٌ وذلك عند مُعايَنَتي الصَّيَّادَ.

ثم إنَّ الجُرَذَ أخَذَ في قَطعِ حبائِلِ السِّنَّورِ. فبينما هو كذلك إذ وافي الصَّيَّادُ. فقالَ له السَّنَّورُ: الآنَ جاءَ وقتُ الجِدِّ في قَطعِ حبائِلي. فجَهَدَ الجُرَذُ نفسَهُ في القَرضِ، حتي إذا فَرَغَ وَثَبَ السِّنَّورُ إلي الشَّجَرَةِ علي دَهَشٍ مِنَ الصَّيَّادِ، ودَخَلَ الجُرَذُ بعضَ الأجحارِ، وجاءَ الصَّيَّادُ فأخَذَ حبائِلَهُ مُقَطَّعَةً ثم انصَرَفَ خائِبًا.

ثم إنَّ الجُرَذَ خَرَجَ بعد ذلك وكَرِهَ أن يَدْنُوَ مِنَ السِّنَّورِ، فناداهُ السِّنَّورُ: أيُّها الصَّديقُ النَّاصِحُ ذو البَلاءِ الحَسَنِ عندي، ما مَنَعَكَ مِنَ الدُّنُوِّ إلَيَّ لأُجازِيَكَ بأحسَنِ ما أسدَيتَ إلَيَّ? هَلُمَّ إلَيَّ ولا تَقطَعْ إخائي، فإنَّه مَنِ اتَّخَذَ صديقًا وقَطَعَ إخاءَهُ وأضاعَ صداقتَهُ حُرِمَ ثَمَرَةَ إخائِهِ وأيِسَ من نَفعِهِ الإخوانُ والأصدقاءُ. وإنَّ يَدَكَ عندي لا تُنسي، وأنتَ حَقيقٌ أن تَلتَمِسَ مُكافَأةَ ذلك منّي ومن إخواني وأصدقائي ولا تَخافَ منّي شيئًا. واعلَمْ أنَّ ما قِبَلي لك مَبذولٌ. ثم حَلَفَ واجتَهَدَ علي صديقِهِ فيما قالَ.

فناداهُ الجُرَذُ: رُبَّ صداقَةٍ ظاهِرَةٍ باطِنُها عَداوَةٌ كامِنَةٌ وهي أشَدُّ مِنَ العَداوَةِ الظَّاهِرَةِ. ومَن لم يَحتَرِسْ منها وَقَعَ مَوقِعَ الرَّجلِ الذي يَركَبُ نابَ الفيلِ الهائِجِ ثم يَغلِبُهُ النُّعاسُ فيَستَيقِظُ تحت فَراسِنِ الفيلِ فيَدوسُهُ ويَقتُلُهُ.

وإنَّما سُمِّيَ الصَّديقُ صديقًا لِما يُرجي من صِدقِهِ ونَفعِهِ. وسُمِّيَ العَدُوُّ عَدُوًّا لِما يُخافُ مِنِ اعتِدائهِ وضَرَرِهِ. والعاقِلُ إذا رَجا نَفعَ العَدُوِّ أظهَرَ له الصَّداقَةَ، وإذا خافَ ضَرَّ الصَّديقِ أظهَرَ له العَداوَةَ. ألا تَري تَتَبُّعَ البَهائِمِ أُمَّاتِها رَجاء ألبانِها فإذا انقَطَعَ ذلك انصَرَفَتْ عنها? وربما قَطَعَ الصَّديقُ عن صَديقِهِ بعضَ ما كانَ يَصِلُهُ منه فلم يَخَفْ شَرَّهُ لأنَّ أصلَ أمرِهِ لم يَكُن عَداوَةً. فأمَّا مَن كانَ أصلُ أمرِهِ عَداوَةً جَوهَرِيَّةً ثم أحدَثَ صداقَةً لحاجَةٍ حَمَلَتهُ علي ذلك فإنَّه إذا زالَتِ الحاجَةُ التي حَمَلَتهُ علي ذلك زالَتْ صداقَتُهُ فتَحَوَّلَتْ وصارَتْ إلي أصلِ أمرِهِ . كالماءِ الذي يَسخُنُ بالنَّارِ فإذا رُفِعَ عنها عادَ بارِدًا. وليسَ من أعدائي عَدُوٌّ أضَرَّ لي منك، وقد اضَطَّرني وإيَّاكَ حاجَةٌ إلي ما أحَدثنا مِنَ المُصالَحَةِ. وقد ذَهَبَ الأمرُ الذي احتَجتَ إلَيَّ واحتَجتُ إليك فيه. وأخافُ أن يكونَ معَ ذَهابِهِ عَودُ العَداوَةِ.

ولا خَيرَ للضَّعيفِ في قُربِ العَدُوِّ القَوِيِّ، ولا للذَّليلِ في قُربِ العَدُوِّ العَزيزِ. ولا أعلَمُ لكَ قِبَلي حاجَةً إلاَّ أن تكونَ تُريدُ أكلي. ولا أعلَمُ لي قِبَلَكَ حاجَةً وليسَ عندي بك ثِقَةٌ. فإني قد عَلِمتُ أنَّ الضَّعيفَ المُحتَرِسَ مِنَ العَدُوِّ القَوِيِّ أقرَبُ إلي السَّلامَةِ مِنَ القَوِيِّ إذا اغتَرَّ بالضَّعيفِ واستَرسَلَ إليه. والعاقِلُ يُصالِحُ عَدُوَّهُ إذا اضطُّرَّ إليه ويُصانِعُهُِ ويُظهِرُ له وُدَّهُ ويُريهِ من نفسِهِ الاستِرسالَ إليه إذا لم يَجِدْ من ذلك بُدًّا. ثم يُعَجِّلُ الانصِرافَ عنه حينَ يَجِدُ إلي ذلك سبيلاً.

واعلَمْ أنَّ سَريعَ الاستِرسالِ لا تُقالُ عَثرَتُهُ. والعاقِلُ يَفي لمَن صالَحهُ من أعدائِهِ بما جَعَلَ له من نفسِهِ ولا يَثِقُ به كلَّ الثِّقَةِ ولا يأمَنُهُ علي نفسِهِ معَ القُربِ منه ويَنبَغي أن يُبعِدَ عنه ما استَطاعَ. وأنا أوَدُّكَ من بَعيدٍ وأُحِبُّ لك مِنَ البَقاءِ والسَّلامَةِ ما لم أكُن أُحِبُّهُ لك من قَبلُ. وليس عليكَ أن تُجازِيَني علي صَنيعي إلاَّ بمثلِ ذلك إذ لا سبيلَ إلي اجتماعِنا، والسَّلامُ .
avatar
leila.mer

عدد المساهمات : 190
تاريخ التسجيل : 25/02/2009
العمر : 23

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى